في ذكرى الانقلابين ..مجرد تساؤلات !
بقلم :عبد القادر ولد الصيام
تحل اليوم الذكرى الرابعة لانقلاب الثالث من أغسطس 2005 , و الذي أطاح فيه العسكر بقيادة العقيد اعلي ولد محمد فال بالرئيس الأسبق : معاوية ولد سيد أحمد ولد الطائع , و قد جاء الانقلاب الأبيض في غياب الرئيس الذي كان في الرياض للتعزية بوفاة العاهل السعودي الراحل : فهد بن عبد العزيز , و قد أصدر “الانقلابيون” بيانا –البيان رقم 1- جاء فيه :
“إن القوات المسلحة وقوات الأمن الوطنية قررت بالاجماع وضع حد نهائي للممارسات الاستبدادية للحكم البائد التي عانى شعبنا منها خلال السنوات الأخيرة. إن هذه الممارسات أدت إلى انحراف خطير أصبح يهدد مستقبل بلدنا.
وقد قررت القوات المسلحة وقوات الأمن الوطنية إنشاء مجلس عسكري للعدالة والديمقراطية.
وهذا المجلس يلتزم أمام الشعب الموريتاني أن يخلق الظروف المواتية لديمقراطية نزيهة وشفافة.
وسيمكن المجتمع المدني وجميع الفاعلين السياسيين أن يشاركوا فيها بكل حرية .
إن قواتنا المسلحة وقوات أمننا لن تمارس الحكم أكثر من المرحلة اللازمة لتهيئة وخلق مؤسسات ديمقراطية حقيقية ولن تتجاوز هذه الفترة سنتين كحد أقصى.
ويؤكد المجلس في الأخير التزام موريتانيا بجميع المعاهدات والمواثيق الدولية التي صادقت عليها.
المجلس العسكري للعدالة والديمقراطية
نواكشوط بتاريخ: 03 أغسطس 2005
و قد نظّم المجلس انتخابات بلدية و برلمانية و رئاسية لم يشارك فيها أي من أعضائه , كما قام بتسليم السلطة –بطريقة قيل عنها ما قيل- و تسلّم الرئيس المنتخب : سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله الحكم –رسميا- يوم 19 ابريل 2007 , لكن الانقلابيين لم يتركوه يمكل عامه الثاني في السلطة! حيث أطاحوا به يوم 6 أغسطس 2009 و الذي أعلن فيه “الانقلابيون الجدد” تشكيل “المجلس الأعلى للدولة” و قد أعلن”مجلس الدولة” فور تشكيله في البيان رقم 1 أن” سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله لم يعد رئيسا للبلاد” , كما جاء في البيان الذي تلاه وزير الاعلام عبر التلفزيون و الإذاعة أن قرار الرئيس سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله القاضي بإقالة الجنرالات و كبار الضباط ”يعتبر لاغيا قانونيا وعمليا”, و قد اختلفت آراء الساسة بين مؤيد ل”التصحيح” و معارض ل”الانقلاب ” و تعددت المبادرات الداعمة و المناهضة , و قد تشكّلت جبهة معارضة للانقلاب سـُميت ب”الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية” و قد جاء في بيانها التأسيسي –يوم الانقلاب- ما يلي :
” أيها الموريتانيون أيتها الموريتانيات، لقد كانت بلادنا تعيش منذ بعض الوقت حالة من التدافع السياسي بين مؤسسة البرلمان ومؤسسة الرئاسة،وبغض النظر عن خلفيات الصراع ورغم بعض تداعياته السلبية فقد ترجم ديناميكية سياسية تنم عن نضج التجربة الديمقراطية في البلاد حيث التحاكم إلى الصلاحيات الدستورية والرجوع إلى القوانين المعمول بها والمغالبة المنطقية بقوة الرأي لا بقوة السلاح وبينما الأمر كذلك إذ قامت مجموعة من الضباط بالاستيلاء على السلطة بالقوة عبر انقلاب عسكري سافر لم يجدوا له من مبرر سوى ما ورد في بيانهم الأول من إبطال لمفعول المرسوم الذي كان أصدره رئيس الجمهورية عملا بصلاحياته الدستورية والقاضي بعزلهم وتعيين ضباط آخرين مكانهم .
أيها الموريتانيون أيتها الموريتانيات، إن العودة إلى دوامة الانقلابات العسكرية وتوفير الأسباب الموضوعية للاضطرابات والقلاقل سيشوه صورة البلاد ويفقدها المصداقية التي حازتها بامتياز بفعل مؤسساتها الشرعية وخاصة مؤسسة الرئاسة مما سيزيد من حدة الأوضاع المعيشية الصعبة في البلاد ويدفع إلى مزيد من تردي الظروف الاقتصادية والاجتماعية للمواطن.
ان تعهدات العسكر بتنظيم انتخابات رئاسية جديدة ليس أكثر من حيلة مفضوحة للالتفاف على إرادة الشعب، أليسوا هم أنفسهم من تعهد بالأمس ولما استكمل الشعب الموريتاني صرحه الديمقراطي أرادوه دمية في أيديهم وإلا انقلبوا عليه فكيف يكون التعهد الجديد أفضل من الماضي وكيف لهم أن يكونوا موضع ثقة من الشعب والعالم بعد الذي قاموا به.
أيها الموريتانيون أيتها الموريتانيات، بناء على ما سبق ووفاء لذمة الوطن والشعب والدولة واحتراما لدستور الجمهورية الإسلامية الموريتانية ، وتقديرا للمصالح العليا للبلاد، فإننا نحن الأحزاب الموقعين أسفله والمشكلين للجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية لنعلن ما يلي :
1- إدانتنا وشجبنا الشديدين للانقلاب العسكري الذي قامت به مجموعة من الضباط المعزولين يوم 06-08-2008
2- تمسكنا بالسيد سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله رئيسا شرعيا للجمهورية الإسلامية الموريتانية.
3- إدانتنا للاعتقالات التعسفية التي قام بها العسكر لمجموعة من المواطنين على رأسهم السيد رئيس الجمهورية والوزير الأول ومن بينهم السيدان أحمد ولد سيدي باب وموسى افال. ونطالب بالإطلاق الفوري لسراحهم.
4- إدانتنا لاقتحام الشرطة لمقر حزب عادل وإغلاقه ونفرض فتحه فورا.
5- دعوتنا الأحزاب السياسية والمنتخبين ومؤسسات المجتمع المدني وعموم الشعب الموريتاني وقواه الحية إلى الوقوف صفا واحدا لحماية الشرعية الدستورية والحفاظ على المكاسب الديمقراطية وعدم الانجرار وراء حملات الترغيب والترهيب التي سيقوم بها الانقلابيون وأعوانهم.
- رفضنا للعنف والقلاقل وكل ما من شأنه أن يهدد السلم والوئام الاجتماعيين.
7- مناشدتنا جميع الأطراف للتداعي إلى حوار وطني ينزع فتيل الأزمة ويفضي إلى الاستقرار.
8- مناشدتنا القوات المسلحة التحلي بروح الجيش الجمهوري والعودة إلى ثكناتها.
9- دعوتنا الدول الصديقة و الشقيقة و المؤسسات الدولية التدخل لفرض عودة الشرعية إلى البلاد.
نواكشوط بتاريخ |06-08-2008
الموقعون:
- التحالف الشعبي التقدمي
- التجمع الوطني للإصلاح والتنمية “تواصل“.
- العهد الوطني للديمقراطية والتنمية “عادل“
- اتحاد قوى الديمقراطية”
و قد انضم ل”الجبهة” أحزاب و كتل سياسية و نقابات عمالية و تنظيمات أخرى في الخارج , و قد ظلت الجبهة تقاوم الانقلابيين حتى توصلت معهم إلى اتفاق في العاصمة السينغالية داكار تم بموجبه الاتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية تشرف على انتخابات في الثامن عشر يوليو 2009 الرئاسية , و قد تسلمت المعارضة حقائب الداخلية و المالية و الدفاع و الإعلام , و قد أسفرت النتائج المعلنة من طرف وزير الداخلية عن فوز قائد انقلاب السادس من أغسطس 2008 و مهندس اقلاب الثالث من أغسطس 205 بنسبة تزيد على 52 % و قد شكك في النتائج كل من الجبهة الوطنية للدفاع عن الديمقراطية و تكتل القوى الديمقراطية و المرشح الرئاسي العقيد اعلي ولد محمد فال قائد “الانقلاب الأول”!
تلك خلاصة عامة و تذكير ببعض أهم الأحداث المعروفة للجميع و المتعلقة ب”الانقلابـَين ” اللذَيْـنِ أطاح فيهما الإنقلابيون ( سنة 2005 ) بنظام دكتاتوري كانوا ممن ساهم في تأسيسه و دافعوا عنه و ذمـّوه و حاولوا أن يظهروا بمظهر المصلح , و لمّا انتـُخـِب رئيس مدني ساعدوه – باعترافه و اعترافهم- و حاول مخالفتهم في بعض القضايا اختلفوا معه ثم حاولوا تقييده ب”الكتيبة البرلمانية ” و لمـّا أقالهم انقلبوا عليه ( سنة 2008 ) رغم أنه ”منتخب ديمقراطيا” , ثم اختلف “رئيس الانقلاب الأول” مع “قائد الانقلاب الثاني” و ادّعى أن الانتخابات الأخيرة ( يوليو 2009 ) مزوة و أن البلد عاد إلى مرحلة جديدة سينشأ عنها انقلابات أخرى ….!!!
و بمناسبة حلول ذكرى الانقلابين فإن ثمة مجموعة من الأسئلة تطرح نفسها – و بإلحاح- و منها ما يلي :
1-هل كانت نية الانقلابـِيّين –في الانقلابـَين- هي مصلحة البلاد و الخروج بها من “سلطة الأنظمة البائدة” و المستبدة؟ أم كان إنقاذا لمجد و سلطة الضباط الذين قاموا بالانقلاب و زيادةً لمكانتهم السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية ؟ و هي المكانة التي كان من الممكن أن تزول –أو تتأثر سلبا- لو قام بالانقلاب غيرهم و سيطر على السلطة!
2-هل سيستطيع الرئيس الجديد الحكم بقوة و الحفاظ على استقرار سياسي يسمح له بالبقاء في السلطة و تنفيذ برامجه و خططه السياسية ؟ أم أنه سيضعف أمام محاولات إزاحته سياسيا -و ربما عسكريا بحسب تصريحات قائد “الانقلاب الأول”- و حينئذ فمن المحتمل أن تتم إزاحة النظام الحالي – و قائده الذي ساهم في انقلابين خلال 3 سنوات- بنفس الطريقة التي وصل بها ؟ و هل سيطالب مناصروه بإرجاعه –في حالة حصول انقلاب ضده- و تمسكهم ب”شرعية دستورية” قد لا يوافق عليها الجميع و قد لا يشفع لصاحبها و لمناصريه رفض “شرعية دستورية” لرئيس مدني منتخب أطاحوا به يوم 6 أغسطس 2008؟
3-هل سينجح الجنرال المعزول/ المستقيل/ المنتخب في إصلاح ما أفسدته فترة الانقلابـَين من توقـّف في التمويلات الخارجية و الاستثمارات الأجنبية و تحكّم رجال أعمال مقربين منه و سيطرة تامة لهم على الصفقات و التمويلات العمومية ؟ و هل سينجز “الرئيس المنتخب” محمد ولد عبد العزيز للفقراء و المساكين ما وعدهم به قبل 18 يوليو 2009 ؟ أم أنه سينسى ذلك و يوليهم ظهره و يبدأ في مجازاة و تعويض رجال المال و القبائل و الموظفين الذين دعموه ؟!!!!
4-هل يعتبر اختيار “الرئيس المنتخب” ليوم الخامس من أغسطس يوما لتنصيبه ك”رئيس مدني” و عودته “العلنية” للقصر بمناسبة الذكرى الأولى لانقلاب السادس من أغسطس هل يعتبر قرارا تصالحيا أم احتقارا و عدم مبالاة لمخالفيه –خصوصا رئيس الجمهورية المطاح به –و الذي تنازل “طواعية”- وكذلك مؤيديه و أعضاء “الجبهة” و “التكتل”؟؟
باختصار : هل كان الإنقلابان حلا للأزمات السياسية و الاقتصادية أم سـبــّــبــَا مشاكل للبلاد ستدفع ثمنها السياسي والاقتصادي و الاجتماعي و لو بعد حين ؟ و سيصعب عليها تجاوز عقدة الانقلابات و البيان رقم 1 و الأيام التشاورية و الانسحابات و الانضمامات و الانتخابات و الانتقام و الانتقام المتبادل ؟! و هل سيؤدي صعود محمد ولد عبد العزيز الصاروخي للسلطة إلى فتح شهية بعض الضباط الصغار و المغمورين و إغرائهم على محاولة “اتباع خـُطى القائد الملهم”!
قديما قالوا : كل ( ذكرى ) انقلاب و أنتم و الوطن بخير …!
= =
سنسناتي-أوهايو بتاريخ : 3 أغسطس 2009 م
