معوقات التغيير في موريتانيا
بقلم : عبد القادر ولد الصيام*
siyam@maktoob.com
تشهد الساحة السياسية الموريتانية هذه الأيام حراكا لا مثيل له , و ذلك بعد ما دبّ الخوف و السأم في جسمها منذ تشريع انقلاب السادس من أغسطس غداة انتخابات 18 يوليو 2009 , حيث أصبح الرئيس الإنقلابي رئيسا شرعيا “من خلال صناديق الإقتراع” رغم أنف “الجبهة” و “التكتل”, و أصبح الرئيس بطلا لا يوجد من يدانيه أحرى من يقف في وجهه , و كان للخطاب “الديماغوجي” الذي استخدمه الانقلابيون و قائدهم و أنصارهم من المدنيين الدور الكبير في إقناع فآت من الشعب بأن تغييرا حقيقيا قد بدأ و أن فجر الكرامة و التنمية قد بزغ, .
و أيّدت ذلك إجراءات استعجالية من قبيل تخفيض الأسعار و زيارة ٍ للفقراء و أحيائهم الشعبية و تحويل أماكن سكن حكومية إلى مراكز صحية و خدميّة ….لكن ما أن تمكّن الحكم من توطيد أركانه حتى عاد الوضع إلى ما كان عليه , فتمّ سجن بعض المخالفين و تكريم المقربين و منحهم الوظائف و الصفقات و شرّع البرلمان خفض الجمركة عن التبغ و زادها على المواد الأساسية فارتفعت الأسعار و قلّت الخدمات الصحيةّ و التعليمية و توقفت المشاريع التنموية و لم تبدأ بقيتها , و كان للثورة في تونس و مصر و ما تشهده الدول العربية الأخرى من حراك سياسي تأثير كبير على الساحة الموريتاينة حيث أعاد لها الأمل بإمكانية التغيير و السعي إلى تحقيقه.
و مع إيمان الكثيرين بأن التغيير بات ضروريا و مـُلـِحـًّا إلا أنهم قد يغفلون عن مُعوّقـاته التي تحول دون حصوله , و لا بد من معرفة هذه المعوقات و جعلها في الحسبان في وضع خطط التغيير و العمل السياسي , من باب “الدفع” و “المغالبة” , لأنه لا يمكن للتغيير أن يحدث بدون بذل جهود جبارة توازي أو تتجاوز جهود معوقاته , و في هذا الإطار يتنزّل هذا المقال من خلال سرد لأهم معوقات التغيير و كيفية التعامل معها و ما ينبغي أن يفعله المغيـّرون من أجل تحقيق التغيير البنــّاء , و يمكن حصر أهم معوقات التغيير في موريتانيا في ستة فآت كما يلي :
1-المؤسسة العسكرية و الأمنية : ممثّلة في في الجنرالات و كبار الضباط و المستفيدين المتنفـّـذين من الخائفين على زوال مراتبهم و امتيازاتهم ممن يستحوذون على كل شئ و يحرمون الجنود و الوكلاء العاديين من مرتبات لائقة توفـّر لهم و لعائلاتهم أقل متطلبات العيش الكريم.
2-رجال الأعمال و التجار المستفيدين من النظام: و هؤلاء يحصلون على أموال طائلة -و بسهولة- من خلال العقود و الصفقات الرسمية العمومية العادية و “المستعجَلة” و من خلال التحايل الضريبي و الجمركي , و يسعى هؤلاء للحفاظ على النظام –ربما أكثر من حرص النظام نفسه على البقاء لأنه “بقرتهم الحلوب” و مصدر دخلهم الدائم.
3-الطبقة السياسية : التي تعوّدت الحكم و التنقّـل بين الوظائف السامية بدون سبب أو خدمة للشعب و الوطن , فاستمرأت الامتيازات و بدل السفر و الإقامة و بدل “منح الصفقات” و شراء المعدّات و التجهيزات على حساب البلد و شعبه المسكين.
4-شيوخ القبائل : الذين يستفيدون من التعيينات و الهـِبات و “التقدير” من طرف السلطة الإقليمية و المركزية , و يتم منحهم قطع الأراضي و المشاريع الزراعية و التنموية و السيارات الفارهة و تعيينهم و تعيين أتباعهم في وظائف هامة لا تخوّلهم مستوياتهم التعليمية أو المهنية الحصول عليها غالبا مقابل ضمان ولاء “القطيع” للسلطة الحاكمة و السعي في ما تريد و التصويت على كل من ترشّحه حتى و لو كان سارقا و ظالما و جاهلا و سكيّراً عربيدا!
5-بعض السادة العلماء و الوجهاء : و هؤلاء نوعان:-قادة روحيون : لهم أتباع يأتمرون بأوامرهم , و هم –بالتالي- كالمجموعة السابقة ( مع اختلاف بين المرجعيات القبيلية و الروحية )-ورجال علم : يستخدمونه في خدمة السلطان –أيــًّا كان- فيلوون أعناق الآيات ليًّـا لكي تخدم السلطان , فيحرّمون التظاهر السلمي مدّعين بأنه “خروج على الإمام” و “شقّ” لعصى الطاعة , و قد جعلوا القرآن عضين يذكّرون بحقوق الحاكم كوجوب السمع و الطاعة و دفع الضريبة و الخضوع له ,و يتركون الأمر بوجوب العدل و أداء الأمانة و حرمة الخيانة و الغلول و الظلم و عقوبة ذلك و عواقبه .و هذه الطبقة من أقل المجموعات عددا و أقلها استفادة مادية , و لا يستفيد منها إلا رجال قلائل , لكن تأثيرها –في العوام- خطير و لها شأن عظيم نظرا لما يؤمن به الناس من تقدير العلم و العلماء و اتـّباع رأيهم فيما يعتقدون أنه شرع و صواب.
6-الشعراء و الفنانون : و بعض هؤلاء يحصل على مداخيل عالية تتحاوز المرتبات العادية لكثير من الموظفين لعدة سنوات مقابل قصيدة أو أغنية لحاكم ظالم أو انقلابي جائر أو حزب حاكم متسلط أو مرشح رئاسي أو برلماني سرق من أموال الشعب ما عجز عن حفظه و تسييره التسيير اللائق حيث أخذه من غير حـِلّه بسهولة لينفقه في غير محلّه بسهولة أكثر!!و لهذه الطبقة ينتمي رجال إعلام و أدب سخـّروا أقلاهم المسمومة لخدمة الظالم و الدفاع عنه و تفنيد ما يقوله المظلومون و الرد عليه بالكذب .
إن كل المجموعات السابقة تقف حجر عثرة أمام تحرّك موكب التغيير ; لأنها مستفيدة من الوضع القائم و لا يمكنها أن تفرّط فيه لخوفها من التغيير و ما ينتج عنه.
و مما يجب على دعاة “التغيير السلمي”-و كلنا دعاة تغيير سلمي يرفض العنف و الوسائل غير القانونية- أن يعلموه أن التعامل مع هذه الطبقات يختلف , فمنهم من يجب التعامل معه بالترغيب , و ذلك من خلال إقناعه بأن الوضع الحالي قابل للإنفجار و أنه لا يمكن التنبؤ بعواقب ذلك الإنفجار حين يَحدُث, و أن الأفضل له أن يعيش مع شعبه و في وطنه ملتزما بواجباته و مستمتعا بحقوقه –كمعظم الناس- ( مع ملاحظة أن معظم الناس يلتزم بأداء واجباته و لا يتمتع بحقوقه !!) لا أن يبقى مستفيدا – بطرق غير شرعية -و يسرق و يدّخر الملايين و المليارات على حساب شعب بائس.. قد يلتهم هذه المليارات حين يثور ; لأنه لم يَـرَ عدالة و لا حبا للوطن و لا حرصا على المصلحة العامة ( من باب التفسير لا من باب التبرير!).
و منهم من ينبغي إقناعه بأنّ ما يقوم به من أعمال ضدّ شعبه و بلده سيتم مساءلته عنها , و قد تكون “العدالة الدنيوية” في حقه أمرا مشينا –و لا شأن لنا بعدالة الآخرة في هذا المقام- و خير له أن يقبل التنازل عن بعض ما ليس له مقابل التمتّع بالباقي و ببعض الكرامة و التقدير الإجتماعي قبل أن يهرب من البلد أو تطاله يد أشخاص ظلّ يعذبهم بحرمانهم من حقوقهم و التطاول عليهم بغير وجه حق و سَجـَنـَهم في سجن كبير ملؤه الفقر و المرض و انعدام الخدمات و أبسط مقومات العيش الكريم.
و لعلّ مما يجدر التنبيه عليه هنا أننا نتحدث عن “وطن” لا عن غابة و عن دولة لا عن “حِمى” , و حين يكون الحديث عن الوطن و الدولة فإننا نتحاكم إلى مرجعيّتين –لا ثالث لهما- :
- إما أننا نتحدث باعتبارنا مسلمين يأمرنا ديننا بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى ويُخبرنا بأن “الحاكم أجير” لا مالك ,و ينهانا عن الظلم و الفحش و الغلول و إرهاق كاهل الناس بما لا يستطيعون….إلخ- و إما أننا نتحدث بمنطق “الدولة المعاصرة” القائمة على أسُس “العقد الإجتماعي” المعتمد على التفويض و المحاسبة و الشفافية من أجل تحقيق تنمية اقتصادية و عدالة اجتماعية دائمة و حفظ حرية الإنسان و كرامته و استقلاله و أمنه , بعيدا عن الخضوع و التبعيّة للظالم المستبد.و لا يمكن أن يوصـَف الوضع في بلدنا بأنه خاضع لأيٍّ من الحالتين :
فلا مبادئ الإسلام المتعلقة بالحكم –بمعناه التطبيقي-متوفرة ( دون أن يستلزم ذلك تكفير النظام , فأنا ممن لا يكفرون أحدا من أهل القبلة!) و لا مبادئ الديمقراطية و “الحكم الرشيد” و “الفصل بين السلطات” مطبّقة , و تقارير “الشفافية الدولية” و الحكم الرشيد و مؤشرات التنمية خير شاهد على ذلك!
و من أجل تحقيق التغيير السلمي فإنه يجب على الساعين فيه توحيد الجهود و الإبتعاد عن الخلافات النظرية و الإيديولوجية و النقاشات العقيمة, و العمل على إقناع أو تحييد كل أو بعض الفآت السابقة و العمل معها و مع كل محبي الخير و الإستقرار و التنمية من أجل إعطاء كل ذي حق حقه و العمل على تنمية البلد و إشعار كل مواطن بأنه جزء من الكلّ و أنه “لا أحد فوق القانون أو الشعب”!و على الفآت السابقة التحيّز لإحدى فئتين :
- فئة الظلم و القهر و الإختلاس : و التي لا شك أنها زائلة و منتهية , و مصيرها مصير”بن على الهارب” و “مبارك المختفي” و “أحمد عز” و بقية أفراد “أمن الدولة” الممزّقين ل”سوءاتهم” و بقية أعضاء “الحزب غير الوطني” و برلمانه المزور و عملائه الظالمين…
- و إما أن يتحيّزوا إلى عموم الشعب المظلوم الباحث عن حقه و حريته و كرامته و قُـوتـِه , و ليعلم الجميع أن “الظلم مرتعه وخيم” , و أنه مهما تجبّر الطغاة و تكبّر المفسدون و خان المسؤولون فإنه “لا بد لليل أن ينجلي” و “لا بد للقيد أن ينكسر” ,فالتغيير قادم لا محالة , و إن غدا لناظره قريب.
*الأمين العام للمركز الموريتاني للحوار-أمريكا
نشر المقال على عدة مواقع و منتديات موريتانية يوم 9 مارس 2011